ابن عجيبة

422

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

لفظ مشترك بين النذر والموت . وصحح ابن عطية أن النحب الذي في الآية ليس من شرطه الموت . بل معناه : قضى نذره الذي عاهد اللّه عليه من نصرة الدين ، سواء قتل أو بقي حيّا . بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - في طلحة : « هذا ممن قضى نحبه » « 1 » ه . وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ أي : الموت على الشهادة ؛ كعثمان وطلحة ، وَما بَدَّلُوا ؛ العهد تَبْدِيلًا ؛ ولا غيّروه ، لا المستشهد ، ولا من ينتظر الشهادة . وفيه تعريض بمن بدّل من أهل النفاق ، كقوله تعالى فيما مر : وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ . . . « 2 » . لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ؛ بوفائهم بالعهد ، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ إذا لم يتوبوا ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إن تابوا إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً بقبول التوبة ، رَحِيماً بعفو الحوبة . الإشارة : قد تقدم ما يتعلق بالاقتداء بالرسول - عليه الصلاة والسلام - والاهتداء بهديه ، وأنه منهاج الأكابر . وقوله تعالى : وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ . . . الآية . كذلك الأقوياء من هذه الطائفة ، إذا رأوا ما يهولهم ويروعهم زادهم ذلك إيمانا وتسليما ، ويقينا وطمأنينة ، وتحققوا بصحة الطريق ؛ إذ هو منهاج السائرين والأولياء الصادقين ، وسنة الأنبياء والمرسلين . قال تعالى : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ « 3 » الآية . وتقدم في إشاراتها ما يتعلق بهذا المعنى . قال بعضهم : نحن كالنجوم ، كلما اشتدت الظلمة قوّى نورنا . وقال القشيري : كما أن المنافقين اضطربت عقائدهم عند رؤية الأعداء ، فالمؤمنون وأهل اليقين زادوا ثقة ، وعلى الأعداء جرأة ، ولحكم اللّه استسلاما ، وفي اللّه قوة . ثم قال : قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا . . . . الآية ، شكر صنيعهم في المراس ، ومدح يقينهم عند شهود الناس ، وسماهم رجالا ؛ إثباتا لهم بالخصوصية في الرتبة ، وتمييزا لهم من بين أشكالهم بعلوّ الحالة ، فمنهم من خرج من دنياه على صدقه ، ومنهم من ينتظر حكم اللّه في الحياة والممات ، وحقيقة الصدق : حفظ العهد وترك مجاوزة الحدّ . ويقال : استواء السّرّ والجهر . ويقال : هو الثبات عندما يكون الأمر جدّا .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في ( المناقب ، مناقب طلحة بن عبيد اللّه 5 / 602 ، ح 3740 ) وابن ماجة في ( المقدمة : باب في فضائل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم 1 / 46 ، ح 126 ) . من حديث معاوية رضي اللّه عنه . ( 2 ) الآية 15 من سورة الأحزاب . ( 3 ) الآية الثانية من سورة العنكبوت .